المقريزي
4
إمتاع الأسماع
وقد اتفقوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اعتمر ثلاث عمر ، صده المشركون في الأولى عن البيت ، فعاد من الحديبية ثم اعتمر من قابل ، وكانت عمرة القضاء ، واعتمر أيضا من الجعرانة ، بعد فتح مكة - شرفها الله - [ قال ] ابن إسحاق : واعتمر عمرة رابعة مع حجته . خرج الحاكم من حديث داود بن عبد الرحمن قال : سمعت عمرو بن دينار يحدث عن عكرمة [ عن ] ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر : عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء من قابل ، والثالثة من الجعرانة ، والرابعة مع حجته . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد . [ ولم يخرجاه ] ( 1 ) . وأما عمرة الحديبية ( 2 ) فقال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة رمضان ، وشوالا - يعني سنة ست - وخرج من ذي القعدة معتمرا ،
--> ( 1 ) ( المستدرك ) : 3 / 52 ، كتاب المغازي والسرايا ، حديث رقم ( 4372 ) ، وقال الحافظ الذهبي في ( التلخيص ) : صحيح . وما بين الحاصرتين زيادة للسياق من ( المستدرك ) . ( 2 ) الحديبية : بئر سمي المكان بها ، وقيل : شجرة حدباء صغرت فسمي المكان بها . قال المحب الطبري : الحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم . ووقع في رواية ابن إسحاق في ( المغازي ) عن الزهري : خرج صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا . ووقع عند ابن سعد : أنه صلى الله عليه وسلم خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة . في بضع عشر مائة ، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره ، وأحرم منها بعمرة ، وبعث عينا له من خزاعة ، يدعى ناجية ، يأتيه بخبر قريش ، كذا سماه ناجية ، والمعروف أن ناجية اسم الذي بعث معه الهدي ، كما صرح بذلك ابن إسحاق وغيره . وأما الذي بعثه عينا لخبر قريش ، فاسمه بسر بن سفيان ، كذا سماه ابن إسحاق ، وهو بضم الموحدة ، وسكون المهملة على الصحيح . وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط [ اسم موضع ] أتاه عينه قال : إن قريشا جمعوا جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش ، وهم مقاتلوك وصادوك ، عن البيت ، ومانعوك ، فقال : أشيروا علي أيها الناس ، أترون أن أميل إلى عيالهم ، وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت ، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين ، إلا وتركناهم محروبين . فقال أبو بكر : يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد توجه له ، فمن صدنا عنه قاتلناه ، قال : امضوا على اسم الله ، وكان أبو هريرة يقول : ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبلغ المشركين خروجه صلى الله عليه وسلم فأجمعوا رأيهم على صده عن مكة وعسكروا ببلدح [ موضع خارج مكة ] . وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية فقال : من يخرجنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟ فقال رجل من أسلم : أنا يا رسول الله ، فسلك بهم طريقا وعرا ، فخرجوا منها بعد أن شق عليهم ، وأفضوا إلى أرض سهلة ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : استغفروا الله ففعلوا ، فقال : والذي نفسي بيده إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فامتنعوا [ إشارة إلى قوله تعالى ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ) البقرة : [ 58 - 59 ] . قال ابن إسحاق عن الزهري في حديثه ، فقال : اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض ، في طريق تخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية . وثنية المرار - بكسر الميم وتخفيف الراء هي طريق في الجبل تشرف على الحديبية - وزعم الداودي أنها الثنية التي أسفل مكة ، وهو وهم . وسمي ابن سعد الذي سلك بهم : حمزة بن عمرو الأسلمي . وفي رواية أبي الأسود عن عروة : فقال من رجل يأخذ بنا عن يمين المحجة نحو سيف البحر ، لعلنا نطوي مسلحة القوم ، وذلك من الليل ، فنزل رجل من دابته ، فذكر القصة . فلما فرغوا من القضية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدي فساقه المسلمون - يعني إلى جهة الحرم - حتى قام إليه المشركون من قريش فحبسوه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنحر . فما قام رجل كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب ، أو لرجاء نزول الوحي بإبطاء الصلح المذكور ، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم ، وسوغ ذلك لهم لأنه كان في زمان وقوع النسخ . ويحتمل أن يكونوا قد ألهتهم صورة الحال ، فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم ، من ظهور قوتهم ، واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم ، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة ، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور ، ويحتمل مجموع هذه - الأمور جميعها ، كما سيأتي في كلام أم سلمة رضي الله تبارك وتعالى عنها ، وليس فيه حجة لمن أثبت أن الأمر للفور ، ولا لمن نفاه ، ولا لمن قال : إن الأمر للوجوب لا للندب ، لما يطرق القصة من الاحتمال . فاشتد ذلك عليه صلى الله عليه وسلم ، فدخل على أم سلمة فقال : هلك المسلمون ! أمرتهم أن يحلقوا فلم يفعلوا ، قال : فجلى الله تبارك وتعالى عنهم يومئذ بأم سلمة رضي الله تبارك وتعالى عنها . قالت أم سلمة رضي الله وتبارك وتعالى عنها : يا نبي الله ! أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم ، فإنهم قد دخلوا في أمر عظيم لما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ، ورجوعهم بغير فتح ، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال . وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم صواب ما أشارت به ففعله ، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به ، إذ لم يبق بعد ذلك غاية تنتظر . وفيه فضل المشورة ، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغ من القول المجرد ، وليس فيه أن الفعل مطلقا أبلغ من القول ، وفيه جواز مشاورة المرأة الفاضلة ، وفضل أم سلمة رضي الله تبارك وتعالى عنها ووفور عقلها حتى قال إمام الحرمين : لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أم سلمة ، كذا قال : وقد استدرك بعضهم عليه بنت شعيب في أمر موسى عليه السلام . نحر صلى الله عليه وسلم هديه ، وكان سبعين بدنة ، وكان فيها جمل لأبي جهل ، في رأسه برة من فضة ليغيظ به المشركين ، وكان صلى الله عليه وسلم غنمه منه في غزوة بدر ، ودعا حالقه خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي ، فحلقه . قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد ، عن ابن عباس : حلق رجال يومئذ وقصر آخرون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين . . . الحديث ، وفي آخره قالوا : يا رسول الله ! لم ظاهرت للمحلقين دون المقصرين ؟ قال : لأنهم لم يشكوا . قال ابن إسحاق : قال الزهري في حديثه : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا ، حتى إذا كان بين مكة والمدينة ، ونزلت سورة الفتح - فذكر الحديث في تفسيرها إلى أن قال : - قال الزهري : فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية . ( فتح الباري ) : 5 / 412 كتاب الشروط باب ( 15 ) الشروط في الجهاد ، والمصالحة مع أهل الحرب ، وكتابه الشروط حديث رقم ( 2731 ، 2732 ) مع اختصار الشرح . ( 3 ) عمرة القضاء ، تسمى بعمرة القضية ، لأنه صلى الله عليه وسلم قاضى فيها قريشا ، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها ، لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها ، بل كانت عمرة تامة ، ولهذا عدوا عمرات رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا . وقال آخرون بل كانت قضاء عن العمرة الأولى ، وعدوا عدة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها . لا لأنها كملت ، وهذا الخلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت ، فقال الجمهور : يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه . وعند أبي حنيفة عكسه ، وعن أحمد رواية : أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء ، وأخرى : أنه يلزمه القضاء والهدي . فحجة الجمهور : قوله تبارك وتعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) [ البقرة : 196 ] . وحجة أبي حنيفة : أن العمرة تلزم بالشروع ، فإذا أحصر جاز له تأخيرها فإذا زال الحصر أتى بها ، ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين سقوط القضاء . وحجة من أوجبها : ما وقع للصحابة ، فإنهم نحروا الهدي حيث صدوا واعتمروا من قابل وساقوا الهدي . وحجة من لم يوجبها : أن تحللهم بالحصر لم يتوقف على نحر الهدي بل أمر من معه هدي أن ينحر ، ومن ليس معه هدي أن يحلق . قال الحاكم في ( الإكليل ) : تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما هل ذو القعدة - يعني سنة سبع - أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية ، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية ، فلم يتخلف منهم إلا رجال استشهدوا بخيبر ، ورجال ماتوا . وخرج معه من المسلمين ألفان ، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري ، وساق صلى الله عليه وسلم ستين بدنة ، وحمل السلاح ، وقاد مائة فرس ، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه ، عليها محمد بن مسلمة ، وقدم السلاح ، واستعمل عليه بشير بن سعد رضي الله تبارك وتعالى عنه . وأحرم صلى الله عليه وسلم ولبى ، والمسلمون يلبون معه ، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران ، فوجد بها نفرا من قريش ، فسألوا فقال : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله تعالى . فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا . ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج [ موضع بمكة ] حيث ينظر إلى أنصاب الحرم [ أي إلى حدوده ] ، وخلف عليه أوس بن خولي الأنصاري في مائتي رجل ، وخرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال . وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي أمامه ، فحبس بذي طوى ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء ، والمسلمون متوشحون السيوف محدقدون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون ، فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون ، وابن رواحة آخذ بزمام راحلته ، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى استلم الركن بمحجنه مضطبعا بثوبه ، وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا بثيابهم . ثم طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على راحلته ، فلما كان الطواف السابع عند فراغه - وقد وقف الهدي عند المروة - قال : هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر ، وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح ، ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا : ( المواهب اللدنية ) : 1 / 540 - 546 مختصرا . قال ابن سعد : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، عن داود بن عبد الرحمن ، عن ابن جريج ، عن مزاحم ، عن عبد العزيز بن عبد الملك ، عن محرش الكعبي ، هكذا قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا من الجعرانة ثم رجع كبائت ، قال : فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس ، قال داود : عام الفتح . ثم قال : أخبرنا موسى بن داود ، أخبرنا ابن لهيعة عن عياض بن عبد الرحمن ، عن محمد بن جعفر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة ، وقال : اعتمر منها سبعون نبيا . ( طبقات ابن سعد ) : 2 / 171 - 172 ، ذكر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن سعد : أخبرنا الهيثم بن خارجة ، أخبرنا يحيى بن حمزة عن أبي وهب عن مكحول أنه سئل : كيف حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حج معه من أصحابه ؟ فقال : حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حج معه من أصحابه معهم النساء والولدان ، قال مكحول : تمتعوا بالعمرة إلى الحج ، فحلوا فأحل لهم ما يحل للحلال من النساء والطيب . ( طبقات ابن سعد ) : 2 / 176 .